السيد هاشم البحراني
575
البرهان في تفسير القرآن
كان ( صلى الله عليه وآله ) يحب أن يأتيه الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ، وكانا يكونان عند أهلهما أو مواليهما أو دايتهما « 1 » ، وكان يكون في ظلمة الليل فيناديهما رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يا أبا محمد ، يا أبا عبد الله ، هلما إلي . فيقبلان نحوه من ذلك البعد ، وقد بلغهما صوته ، فيقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بسبابته هكذا ، يخرجها من الباب ، فتضيء لهما أحسن من ضوء القمر والشمس ، فيأتيانه ، ثم تعود الإصبع كما كانت ، فإذا قضى وطره من لقائهما وحديثهما ، قال : ارجعا إلى موضعكما . وقال بعد بسبابته « 2 » هكذا ، فأضاءت أحسن من ضياء القمر والشمس ، قد أحاط بهما إلى أن يرجعا إلى موضعهما ، ثم تعود إصبعه ( صلى الله عليه وآله ) كما كانت من لونها في سائر الأوقات . وأما الطوفان الذي أرسله الله تعالى على القبط ، فقد أرسل الله تعالى مثله على قوم مشركين آية لمحمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال ( عليه السلام ) : إن رجلا من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقال له ثابت بن أبي الأقلح « 3 » قتل رجلا من المشركين في بعض المغازي ، فنذرت امرأة ذلك المشرك المقتول لتشربن في قحف رأس ذلك القاتل الخمر ، فلما وقع بالمسلمين يوم أحد ما وقع ، قتل ثابت هذا على ربوة من الأرض ، فانصرف المشركون ، واشتغل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأصحابه في دفن أصحابه ، فجاءت المرأة إلى أبي سفيان تسأله أن يبعث رجلا مع عبد لها إلى مكان ذلك المقتول ليحز رأسه ، فيؤتى به لتفي بنذرها فتشرب في قحف رأسه خمرا ، وقد كانت البشارة بقتله أتاها بها عبد لها فأعتقته ، وأعطته جارية لها ، ثم سألت أبا سفيان فبعث إلى ذلك المقتول مائتين من أصحاب الجلد في جوف الليل ليحتزوا « 4 » رأسه فيأتونها به ، فذهبوا ، فجاءت ريح ، فدحرجت الرجل إلى حدور « 5 » فتبعوه ليقطعوا رأسه ، فجاء من المطر وابل عظيم فأغرق المائتين ، ولم يوقف لذلك المقتول ولا لواحد من المائتين على عين ولا أثر ، ومنع الله الكافرة مما أرادت ، فهذا أعظم من الطوفان آية له ( عليه الصلاة والسلام ) . وأما الجراد المرسل على بني إسرائيل ، فقد فعل الله أعظم وأعجب منه بأعداء محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فإنه أرسل عليهم جرادا أكلهم ، ولم يأكل جراد موسى رجال القبط ، ولكنه أكل زروعهم ، وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان في بعض أسفاره إلى الشام ، وقد تبعه مائتان من يهودها في خروجه عنها وإقباله نحو مكة ، يريدون قتله مخافة أن يزيل الله دولة اليهود على يده ، فراموا قتله ، وكان في القافلة فلم يجسروا عليه ، وكان رسول
--> ( 1 ) الداية : المرضعة أو الحاضنة . « المعجم الوسيط - دوي - 1 : 306 » . ( 2 ) في « س » : سبابتيه . ( 3 ) في « س » والمصدر : ثابت بن أبي الأفلح ، وهذه القصّة لا تخلو من سهو ، والصحيح : عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، كما ضبطه ابن دريد في الاشتقاق : 437 قال : والأقلح مشتقّ من القلح ، وهو صفرة في الأسنان كدرة . استشهد في يوم الرجيع ، وليس يوم أحد ، راجع ترجمته ووقائع مقتله في : إعلام الورى : 86 ، بحار الأنوار 20 : 150 - 152 ، رجال الطوسي : 25 ، معجم رجال الحديث 9 : 179 - وفيهما : عاصم بن ثابت بن الأفلح - ، سيرة ابن هشام 3 : 178 ، تاريخ الطبري 3 : 30 ، أسد الغابة 3 : 73 ، جمهرة أنساب العرب : 333 . ( 4 ) في « ط » : ليجتزوا ، وكلاهما بمعنى واحد . ( 5 ) الحدور : الموضع المنحدر . « المعجم الوسيط - حد - 1 : 161 » .